“أبو العبد ضرب أم العبد”: مأساة مش نكتة

كل جملة أو صورة بتحمل معنى معيّن او عدّة معاني، وفقاً للعلوم التواصلية. ونحنا كل يوم منتعرّض لعدد كبير من الرسائل عبر التلفزيون، والراديو والانترنت واللوحات الاعلانية على الطريق والحديث مع الناس وغير ذلك. وبالعادة، منكون أكثر شي عرضة للتأثر بهالرسائل وهضمها بشكل واعي او لاواعي، اذا كان دماغنا بحالة استرخاء او نشوة، متل اما حالات التنويم المغنطيسي أو حالات النوم أو الضحك. لهالسبب، مشكلتنا الرئيسية مع البرامج الفكاهية على اختلافها، اللي بتنعرض بشكل يومي أو أسبوعي على مختلف الشاشات اللبنانية والعربية، انها بتستخدم أداة الضحك اللي هي كتير فعالة، ولو عن غير قصد، لارسال رسائل عنصرية أو عنيفة أو مهينة للمرأة. وهيدي البرامج بتتميز بنسبة مشاهدة عالية جدا عادة بين مختلف الفئات العمرية، من أطفال لمراهقين لراشدين وراشدات لمسنّين ومسنّات، وهون بتكمن خطورتها وأهميتها. وكل مرة منتوجّه بنقد لهالبرامج، منتواجه اما بتهجّمات خارجة عن الموضوع، أو بردود لا علاقة لها بالنقد اللي عم نقدّمو، أو بمحاولة لتسخيف نقدنا بجمل متل “ما كلّها نكتة” أو “عم نمزح”. المشكلة انو المشرفين والمعدّين والمقدّمين لهالبرامج، رجالا ونساءً، ما عم ينتبهوا انو بالذات لأنها نكتة، ولأنها بتثير الضحك والاعجاب، عندها قوة تأثير مضاعفة أو حتى مضروبة بخمسة، مقارنة بالجمل العادية الخالية من الضحك اللي بتمرق بالأخبار أو بالبرامج غير الفكاهية.

بالفيديو المرفق، فيه بضعة نكات هي نماذج بسيطة وقليلة عن النكات اللي بتمرق بالعشرات بكل حلقة من برنامج “لول” وغيره من البرامج المشابهة. في بلبنان على الأقل 4 برامج فكاهية بتنعرض بشكل أسبوعي، منها نكات مفتوحة متل “لول”، ومنها اسكتشات قصيرة متل “ما في متلو” و”كتير سلبي”. وبعملية حسابية بسيطة، فيكن تتخيلوا عدد الرسائل السلبية والعنيفة اللي منتعرضلها بالأسبوع، وبالشهر، وبالسنة، من قبل البرامج الفكاهية وحدها!

وهيدي النكات بتبعث رسائل متنوعة مثل:

- التنكيت على الاغتصاب والتحرش الجنسي والتعامل مع هالموضوعين باستخفاف بوقت فيه تصاعد واضح للعنف الجنسي ضد النساء بلبنان، وبوقت نسبة كبيرة من الفتيات والنساء بيعيشوا الآثار النفسية الفظيعة والصدمات الرهيبة وبيناضلوا تا يتخطوها بعد التعرض للاغتصاب او التحرش، اللي هو بالمناسبة، تجربة جدية قاسية جدا بتقلب الحياة رأسا على عقب، ومش نكتة.

- التعامل مع مسألة العنف الزوجي كمادة للنكات والمزاح، بوقت ما عم نفهم فيه ليش “أبو العبد ضرب أم العبد” أو “رجال عم يكسّر راس مرتو” هو شي بيضحّك! هيدا شي مبكي، ومؤسف، ومهين، ويجب تغييره بأسرع وقت ببلد بعدو فيه قانون حماية المرأة من العنف الأسري علقان اما بين الرفض التام أو تشويهه وافراغه من مضمونه.

- تعزيز الصور النمطية للمرأة: شغلتها الطبخ والكوي – المرأة الناصحة بشعة والنحيلة جدا حلوة – كل شي بينشاف فيها هو مفاتنها وقدرتها على الامتاع – ذات معدل ذكاء منخفض أو مهووسة بسحب اموال زوجها وانفاقها على الثياب والماكياج الخ. وهالشي بقابلوا أيضا تعزيز الصورة النمطية للرجل، باعتباره كائن لا يفكر الا بالجنس وبيشوف بكل امرأة فرصة للتحرش أو للتلطيش.

- تعزيز الصور النمطية لشرائح مختلفة من المجتمع مثل: كل انسان/ة ذي بشرة داكنة هو/هي شغلهن ينظفوا ورا اللبنانيي، وبيحكوا بصوت رفيع وأحرف مش مفهومة، وال”مستر” عم يمارس الجنس معها الخ. – أو كل رجل مثلي (تستخدم كلمة mgaygan) هو دائماً انسان ناعم ومحدود التفكير والذكاء وما بيفكّر بشي الا بالحصول على رجال الكون أجمعين، وأكيد اسمو أو “فوفو” او “نونو”. هون مثلا، ما عم نفهم ليش الميول الجنسية هي مادّة للنكتة؟ ليش الجمهور بيقلب على ضهرو من الضحك لأن “فوفو” راكض ورا “نونو”؟ أو لأن “توتو” أكل قتلة من “الرجال الحقيقيين”؟ هيدا طبعا غير الرسائل المحرّضة ضد الرجال المثليين.

هيدي النكات بتعزز منظومة فكرية موجود أصلا عند شريحة كبيرة من اللبنانيين سواء عن الجاليات الأجنبية بما فيها العمال والعاملات الاجنبيات، أو عن المرأة، أو عن المرأة المسنّة أو عن الرجال المثليين أو “الحماصنة”. والناس طبعاً، بيتصرّفوا وفقاً لمنظومتهم الفكرية، وهالتصرّفات بتتراوح بين الازدراء والنظرة الدونية لل”فئات المستهدفة” وبين التحرش والازعاج المقصود، وبين العنف الجسدي والمعنوي ضد هالفئات بكونها “فئات دونية” لا ترتقي أصلا لمرتبة “الانسان الراشد المحترم”. انو اذا عم نضحك على أبو العبد ضرب أم العبد، لكن الموضوع لذيذ وبسيط، ما بدّها هلقد اذا جارتنا أم بديع أكلت قتلة من أبو بديع! واذا مدام أم عطا عم تصلّي حدا يغتصبها، يعني ياي شو حلو ولذيذ الاغتصاب، لشو هالنسوان عاملين منو قصة؟! واذا “مدام” عم تبهدل “سينكارا” يعني “مدام” قوية ومهضومة، واذا الناصحين بشعين، هات لنتمسخر على رفيقتنا الناصحة بالصف، وعلى رفيقنا اللي بيشبه “فوفو”.

وبالتالي اذا هالمنظومة الفكرية التقليدية والعنصرية والمميّزة ضد المرأة، تعززت وترعرعت وكبرت وانتقلت بكل عفنها للجيل الجديد المتمثل بالأطفال، عن طريق هالبرامج وغيرها، يعني بحلقة وحدة من هالحلقات، كل جهود التغيير والاصلاح والتقدّم والتطوّر اللي معظم هالمحطات والشخصيات بتدعي لالها، واللي الناشطين والناشطات الشباب عم يستثمروا عمرهن وجهدهن لتحقيقها، بتروح ضيعان وهباء منثورا. هيدا طبعاً، غير الأثر اللي بتتركوا هالنكات على ديناميات المجتمع وطرق تعاطي أفراده بين بعض ونظرتهم لبعض، وغير الأثر النفسي السلبي على الأشخاص المعنيين فيها مثل النساء المعنّفات، والناجيات من الاغتصاب، وعلى المثليين/ات والمسنّين وسائر الفئات “المنكّت عليها” والجاليات الأجنبية بلبنان، اللي بالمناسبة، مش كلّهن “بيلمّعوا القزاز”.

وهون، ما فينا الا نستغرب الصمت التام لوزارة الاعلام والمجلس الوطني للاعلام وغيرها من الجهات المسؤولة بالدولة وبالمجتمع، قدام هالانتهاكات اليومية اللي عم نتعرضلها كلنا، وعم يتعرضولها أطفالنا كمان، بوقت بتمنع الرقابة مشاهد وجمل أبسط وأسخف بكتير.

نحنا لمن ننتقد برنامج “لول” ومن خلاله كافة البرامج الفكاهية المشابهة، ما عم نقلّهن يبطلوا يمثّلوا، ولا بدنا نخسّرهن جماهيرهن، ولا بدنا نقطع رزقتهن. نحنا منطالبهن انو يدركوا حجم المسؤولية اللي بتترافق مع النجومية والشهرة، واللي لازم يتحملوها بكل حلقة بيصوّروها، وينتبهوا شو نوع الرسائل اللي عم يوجهوها لمختلف الشرائح العمرية من الرجال والنساء على حدّ سواء. ومتل ما صار برنامج “لول” ينتبه على النكات اللي بتتضمن رجال الدين ويحرص على عدم اهانتهم، منتمنى من هالبرنامج ذاتو ينتبه على النكات اللي بتتضمن فئات أخرى من المجتمع، عندها الحق الكامل بالاحترام وعدم التعرض للاهانات والتحقير والاستخفاف، وأحيانا العنف الناتج عن تراكم الرسائل العنيفة.

Share

2 Trackbacks

Leave a comment

Add your comment below, or trackback from your own site. You can also subscribe to these comments via RSS.

Your email is never shared. Required fields are marked *

*